الرئيس لحّود... رمز الانتصارات
أحمد بهجة
تتكرّر دائماً الأحداث والوقائع التي تُذكرنا بإنجازات ومواقف الرئيس المقاوم العماد إميل لحود، وعند كلّ محطة من محطات الصراع مع العدو الإسرائيلي يبرز موقف للرئيس لحود نتذكّره ونستعيده ونتمنّى لو أنّ الزمن يعود بنا إلى الوراء حيث كانت العزة والكرامة والسيادة في أعلى مراتبها...
طبعاً مواقف الرئيس لحود لم تبدأ مع انتخابه رئيساً للجمهورية عام 1998، بل هي المواقف والمبادئ نفسها التي نشأ عليها مع والده اللواء جميل لحود، وتشرّبها في مؤسسة الشرف والوفاء والتضحية، والتي وصل إلى قيادتها عام 1989، فوحّدها ودمَجَ ألويتها في بوتقة متينة، وأرسى عقيدتها القتالية الوطنية الثابتة والراسخة حتى اليوم.
ويكفي هنا أن نستعيد موقفه الحاسم بعد العدوان الإسرائيلي على لبنان في تموز 1993، والذي حمل عنوان "تصفية الحساب"، حين رفض الامتثال لقرار السلطة التنفيذية آنذاك (رئيس الجمهورية الياس الهراوي ومجلس الوزراء برئاسة رفيق الحريري)، بإرسال الجيش اللبناني إلى الجنوب وضرب المقاومة وتسلُّم سلاحها، لأنّ ذلك بالنسبة للعماد لحود يمثل خيانة لضميره وكرامته الوطنية... وشكلت تلك الوقفة الشامخة المقدّمة الأولى لإرساء معادلة "الجيش والشعب والمقاومة" التي ترسّخت أكثر فأكثر على مرّ السنوات والإنجازات...
طبعاً استمرّ هذا النهج مع وصول العماد لحود إلى سدة رئاسة الجمهورية، وتشكيل الحكومة الأولى في عهده برئاسة الرئيس "الضمير" الدكتور سليم الحص، حيث تحقق بعد أقلّ من عامين التحرير الكبير في أيار 2000، وسجّل التاريخ في صفحاته الناصعة أنه في زمن هذيْن الكبيريْن تمّ دحر العدو الإسرائيلي عن أرضنا الطيبة في الجنوب والبقاع الغربي، وتمكّن لبنان من إنجاز ما عجز عنه كلّ العرب طوال عقود من الزمن...
وهل هناك أحد لا يذكر الموقف السيادي الكبير الذي اتخذه الرئيس لحود أثناء ترسيم الخط الحدودي، وكيف أنه أقفل الهاتف في وجه وزيرة الخارجية الأميركية آنذاك مادلين أولبرايت.
بعد التحرير عاد الجنوبيون إلى قراهم وبلداتهم ومدنهم وانطلقوا في مسيرة البناء والتنمية واستصلاح الأراضي الزراعية وإصلاح وتطوير شبكات الكهرباء والمياه إلى آخر نقطة على الخط الأزرق، لتمكين المزارعين من الاستغلال الكامل لأراضيهم، والكلّ يذكر كيف أنجز لبنان عام 2002 مشروع الاستفادة من مياه نهر الوزاني لعدد غير قليل من قرى الجنوب، بالرغم من التهديدات الإسرائيلية، وقد ذهب الرئيس لحود شخصياً وأشرف على إنجاز العمل وشرب من مياه الوزاني، خلافاً لما كان قد حصل في العام 1964 حين منع العدو الإسرائيلي لبنان من تنفيذ هذا المشروع وقام بقصف المعدات وتدميرها، ولم تنفع في حينه لا جامعة عربية ولا أمم متحدة، لكن بقوة المقاومة وتكاملها مع الدولة تمّ إنجاز الأمر في عهد الرئيس لحود عام 2002.
وحين نصل إلى الحرب العدوانية التي شنّها العدو الإسرائيلي ضدّ لبنان في تموز ـ آب 2006، لا بدّ من استعادة مواقف الرئيس لحود، خاصة حين وقف منذ اليوم الأول سداً منيعاً في وجه كلّ مَن أراد النيل من المقاومة، ظناً منهم أنها قامت بـ "مغامرة غير محسوبة" كما قيل يومها، ولكن في اليوم العشرين من الحرب صار السؤال "لمن ستُهدي النصر يا سيد"، رحم الله الشهيد الأسمى الأمين العام السيد حسن نصر الله، الذي أهدى النصر للشعب اللبناني بأسره، كما في العام 2000، ولم يطلب لنفسه أو لحزبه أو لبيئته أيّ مكاسب إضافية في تركيبة السلطة، بل على العكس تماماً حيث كان يتنازل دائماً (مع شريكه وأخيه الأكبر الرئيس نبيه بري) عن الكثير من الحقوق المُكرّسة في الدستور والعرف من أجل المصلحة الوطنية العليا.
يومها أوقف الرئيس لحود بالتعاون مع الوزير محمد فنيش مسعى رئيس الحكومة آنذاك فؤاد السنيورة لتسويق ما سُمّيَ بـ "النقاط السبع" ومن ضمنها "نزع" سلاح المقاومة، وهي النقاط التي حمَلها السنيورة إلى مؤتمر روما، لكن الرئيس لحود كان بالمرصاد ومنع تمريرها في مجلس الوزراء، إلى أن صدر القرار الدولي 1701، وسلّم العدو الإسرائيلي بأنّ عليه الانسحاب بشكل كامل من الأراضي اللبنانية حتى الخط الأزرق، على أن تُستكمل عملية تحرير مزارع شبعا وتلال كفرشوبا والجزء المحتلّ من قرية الغجر.
وها هي المقاومة اليوم تحقق النصر مجدّداً، بالشراكة مع إيران ومحور المقاومة، وسوف تفرض شروطها على العدو، وتجبره على وقف النار، والالتزام باتفاق 27 تشرين الثاني 2024، بعدما فشلت بذلك المساعي الدبلوماسية التي استمرّت 15 شهراً في حين كان العدو يواصل اعتداءاته ضدّ لبنان واللبنانيين في الجنوب والضاحية والبقاع حيث ارتقى أكثر من 500 شهيد بينهم عدد غير قليل من الأطفال والنساء وكبار السنّ، وجُرح أكثر من ألف شخص، وتكبّدنا الخسائر المادية الكبيرة في الأبنية السكنية والممتلكات الزراعية والصناعية والتجارية والسياحية... وطبعاً لا ننسى الأسرى في سجون العدو الذين لا بدّ أن يشملهم تطبيق وقف إطلاق النار.
وحتى لو جنّ نتنياهو وحاول التخريب والالتفاف على الاتفاق، نتيجة خسارته المطلقة وتركِه من قِبل حلفائه على قارعة الطريق يواجه مصيره وحيداً مع كيانه المنهار، فإننا نستعيد هنا قول الأمين العام الشيخ نعيم قاسم بأننا "نحن مَن سيُمسك بـ "رسن" العدو، ونحن مَن سيعيده إلى الحظيرة"...
وبعد الانتصار الكامل، تماماً كما في العام 2000، سوف نعود مرفوعي الرؤوس والهامات، إلى آخر شبر من أرضنا الجميلة، وسوف نعيد البناء والإعمار، واستصلاح الأراضي الزراعية وشبكات الكهرباء والمياه والاتصالات وغير ذلك من مقوّمات الحياة الكريمة والدورة الاقتصادية والإنتاجية المتكاملة.
وبالطبع لن ننسى مَن ضحّى من أجلنا، وستبقى صور شهدائنا في قلوبنا، وستتمّ بلسمة الجراح بإذن الله، وسنستعيد الأسرى. ه الشكر موصولاً لكلّ مَن قدّم كوب ماء للنازحين الذين سيعودون وسيفتحون بيوتهم العامرة لتكريم أهلنا الأحباء في بيروت والجبل والشمال والبقاع، لنثبت أننا جميعاً أخوة في المواطنية، وعلينا التكاتف والتضامن دائماً مع بعضنا البعض لإبقاء وطننا عزيزاً وكريماً على الدوام...


